آخر الأخبار أخبار شيشاوة أخبار وطنية أخبار سياسة تقارير و تحقيقات منوعات أخبار جهوية مجتمع أخبار دولية كتاب و أراء
الرئيسية 24 ساعة رياضة فيديو

العصر الرقمي يربك العقول.. والحقيقة في مواجهة التضليل

بقلم محمد وعزيز

لم يعد التحدي الأكبر في عصرنا هو الوصول إلى المعلومة، بل التمييز بين الصحيح منها والمزيف. ففي زمن تتدفق فيه الأخبار والآراء والصور ومقاطع الفيديو واللايفات بلا توقف ، يجد الإنسان نفسه أمام كمّ هائل من المعطيات التي يصعب التحقق من حقيقتها، ما أدى إلى بروز أزمة ثقة غير مسبوقة تمس الإعلام والمؤسسات وحتى العلاقات الإنسانية.

فكلما ازدادت مصادر المعلومات، ازدادت الحيرة بشأن الجهة التي تستحق التصديق. وبين الحقيقة والشائعة، والخبر والرأي، والمعلومة والتضليل، أصبحت الحدود أكثر ضبابية من أي وقت مضى.ولم يعد الشك مقتصراً على الأخبار الكاذبة، بل امتد أحياناً إلى الحقائق الموثقة نفسها، نتيجة التشبع بالمحتوى المتناقض والإرهاق الذهني الذي تسببه الوفرة المعلوماتية.

وقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، بعدما منحت الجميع فرصة النشر والتعليق وإبداء الرأي في مختلف القضايا، دون تمييز واضح بين المتخصص وغير المتخصص. فأصبح عدد المتابعين لدى البعض أكثر تأثيراً من حجم المعرفة والخبرة، بينما بات المحتوى المثير يحظى بانتشار أوسع من المحتوى الدقيق والمتزن.

وفي ظل هذا الواقع، تتشكل دائرة مقلقة،فكلما تراجعت الثقة زادت قابلية المجتمع لتصديق الشائعات، وكلما انتشرت الشائعات تآكلت الثقة أكثر. ومع مرور الوقت يتحول الشك من سلوك مؤقت إلى ثقافة عامة تؤثر في التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

ولا تقتصر تداعيات أزمة الثقة على المجال الإعلامي، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والحياة العامة. فالاستثمار يحتاج إلى الثقة، والعلاقات الإنسانية تقوم عليها، والعمل الجماعي لا ينجح من دونها، كما أن الاستقرار المجتمعي يرتبط بوجود حد أدنى من الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

غير أن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذه الأزمة يبقى تبسيطاً للمشهد. فالتكنولوجيا مجرد أداة، أما جوهر المشكلة فيكمن في كيفية استخدامها وفي مستوى الوعي القادر على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين النقد الموضوعي والتشويه المتعمد.

لذلك، فإن تجاوز أزمة الثقة في العصر الرقمي لا يتحقق عبر تقييد تدفق المعلومات، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً في عالم مفتوح ومتصل باستمرار، بل من خلال نشر ثقافة التحقق من المصادر، وتنمية مهارات التفكير النقدي، ودعم الإعلام المهني الجاد، وترسيخ مبادئ الشفافية والصدق في تداول الأخبار. كما تقع على عاتق كل فرد مسؤولية التحري والتأكد من صحة المعلومات قبل مشاركتها أو التفاعل معها، تفادياً للمساهمة في نشر الأخبار المضللة والشائعات.

وفي الختام، ورغم أن المعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، فإن الثقة باتت أكثر ندرة. لذلك تبقى معركة المستقبل الحقيقية هي استعادة الثقة وترسيخ المصداقية، لأن قوة المجتمعات لا تقوم على وفرة المعلومات فقط، بل على الثقة في مصادرها. وفي عصر التدفق الرقمي الهائل، قد تصبح الثقة أثمن ما نملك.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!