بقلم محمد وعزيز
في زمن امتلأت فيه الشاشات بالأصدقاء والمتابعين، اتسعت في المقابل مساحات الفراغ الإنساني، نتحدث مع الكثيرين كل يوم، ونتبادل الرسائل والتعليقات بلا انقطاع، لكننا نادراً ما نجد من يصغي إلينا بصدق أو يشاركنا همومنا دون أقنعة.
كلما تطورت وسائل التواصل واتسعت دوائر الاتصال، ازداد شعور الإنسان المعاصر بالحاجة إلى من يفهمه حقاً. فقد أصبح الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى، بينما صار الوصول إلى القلوب أكثر صعوبة.
يمكن لأي شخص اليوم أن يحيط نفسه بمئات المعارف وعشرات الآلاف من المتابعين، وأن يبقى متصلاً بالعالم على مدار الساعة، ومع ذلك يجد نفسه وحيداً في لحظات الصمت، يواجه أسئلته ومخاوفه دون سند حقيقي. فالعلاقات الأصيلة لا تقاس بعدد الأسماء في قوائم الأصدقاء، بل بعمق الحضور الإنساني عندما تضيق الحياة.
لقد منحتنا المنصات الرقمية فرصاً واسعة للتواصل، لكنها دفعت كثيراً من العلاقات نحو السرعة والاختزال، حتى أصبحت المشاعر تختصر في رموز، والاهتمام يقاس بعدد التفاعلات، فيما تراجع الحوار الصادق واللقاء المباشر إلى الهامش.
وفي خضم هذا التدفق الهائل للمحتوى، يلهث الجميع وراء الظهور والانتشار، غير أن كثيرين يحملون في أعماقهم شعوراً خفياً بالوحدة. فليس كل من يبتسم في الصور سعيداً، وليس كل من تحيط به الحشود الرقمية يملك رفقة حقيقية.
وعندما تشتد الأزمات، تتكشف الفوارق بين العلاقات العابرة والعلاقات الراسخة. عندها يدرك الإنسان أن كلمة صادقة من صديق مخلص، أو جلسة بسيطة فوق فنجان قهوة، قد تفوق قيمة آلاف الرسائل والتفاعلات التي تتلاشى بإنطفاء الشاشة.
لذلك يبقى الرصيد الحقيقي للإنسان هو من يشاركه أفراحه وأحزانه وجهاً لوجه، لا من يكتفي بمتابعته عن بعد. فالعلاقات الصادقة لا تحتاج إلى شبكة إنترنت قوية، بل إلى قلوب تعرف معنى الوفاء، وأشخاص يختارون الحضور حين يغيب الجميع.

أضف تعليق