محمد وعزيز – شيشاوة اليوم
لم تقتصر تداعيات الفيضانات التي ضربت إقليم شيشاوة، خصوصاً أمزوضة والزاوية النحلية ومناطق أخرى، على الخسائر المادية وصعوبة الحياة اليومية للمتضررين، بل أعادت إلى الواجهة سؤال كيفية التعاطي مع الكوارث الطبيعية، والحد الفاصل بين التضامن الإنساني وتوظيف المآسي في الخطاب السياسي والإعلامي.
في لحظات المحنة، تتقدم المعاناة الإنسانية على الحسابات الضيقة. فالأسر المتضررة، والساكنة التي وجدت نفسها معزولة بسبب السيول وتضرر الطرق، تحتاج إلى دعم ملموس وتدخلات تستجيب لاحتياجاتها، أكثر من حاجتها إلى التنافس حول من يسجل الموقف الأقوى أو يحصد أكبر قدر من الاهتمام.
ومع اتساع دائرة التعاطف، قد تتحول الكارثة إلى موضوع للتجاذب وتسجيل النقاط السياسية. وهنا يبرز سؤال جوهري: متى يكون نقل المعاناة دفاعاً عن المتضررين، ومتى يصبح استثماراً لمأساتهم؟
ليس كل انتقاد مزايدة، كما أن المبادرات التضامنية لا تُقيَّم بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى أثرها الفعلي على المتضررين. فالمطالبة بالمحاسبة، والتساؤل عن جاهزية البنيات التحتية، ومراجعة مسارات الأودية ووسائل الوقاية، أمور مشروعة متى استندت إلى الوقائع والمعطيات الدقيقة، دون استباق نتائج التقييم والتحقيق.
في المقابل، فإن تضخيم الأحداث، وتداول معلومات غير مؤكدة، وتوظيف صور المتضررين في معارك التواصل الاجتماعي، قد يحجب الأولويات الحقيقية للأزمة، ويحول الانتباه من البحث عن الحلول إلى تبادل الاتهامات.
التضامن الحقيقي يُقاس بالأثر، لا بالخطاب. فالمعيار هو مدى الإسهام في تخفيف المعاناة، وتوفير الحاجيات الأساسية، والمساعدة على فك العزلة، ومواكبة الأسر المتضررة. أما المسؤولية المؤسساتية، فتقتضي الانتقال من التدخل الاستعجالي إلى معالجة الاختلالات المحتملة، وتأهيل الطرق، وتحسين تصريف مياه الأمطار، وتحديد المناطق المهددة بالسيول، وتعزيز آليات الإنذار المبكر.
لقد كشفت فيضانات إقليم شيشاوة عن ضرورة تجاوز تدبير آثار اللحظة نحو مراجعة أعمق لسياسات الوقاية والاستعداد للكوارث، بما يضمن حماية السكان والممتلكات ويحد من تكرار الخسائر.
في نهاية المطاف، ليست المأساة مناسبة للتنافس على التعاطف، بل اختباراً للمسؤولية الجماعية. وبين الخطاب والممارسة، تظل الوقائع والأفعال الملموسة أساس تقييم المواقف، فيما تبقى معاناة المتضررين أولوية ينبغي ألا تطغى عليها الحسابات السياسية أو التجاذبات العابرة.

أضف تعليق