بقلم محمد وعزيز
في إقليم شيشاوة، لا يكاد يمر يوم انتخابي دون أن تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بصور المرشحين، وقوافل السيارات، ومقاطع التجمعات، ورسائل الترويج والحشد. مشهد رقمي صاخب ورافع يوحي أحياناً بأن المعركة الانتخابية تُحسم على شاشة الهاتف، بينما الحقيقة السياسية والانتخابية لا تزال في مكان آخر: عند الناخب، ثم داخل صندوق الاقتراع.
المفارقة أن جزءاً من هذا الحضور الرقمي يبدو منشغلاً أكثر بإظهار من حضر، وكم سيارة رافقت، وكم شخصاً ظهر في الصورة، وأقل انشغالاً بالسؤال الذي يهم المواطن فعلاً: ماذا سيُفعل بالطرق؟ ماذا عن الماء؟ وماذا عن الصحة والتعليم وفرص الشغل والتنمية القروية؟
فالناخب في إقليم شيشاوة وخاصة في العمق الترابي الجبلي لا يعيش داخل منشور على فيسبوك، ولا ينتظر فيديو جديداً ليعرف أن مرشحاً قام بجولة انتخابية.
المواطن يعيش يومياً مع طريق تحتاج إلى إصلاح، ومشكل ماء ينتظر حلاً، وخدمات صحية وتعليمية يطالب بتحسينها، وفرص شغل وتنمية يريد أن يلمس أثرها في حياته.
وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات الحملة الحالية: كثرة الصور لا تعني بالضرورة كثرة الأصوات، وكثرة المشاهدات لا تعني بالضرورة كثرة المؤيدين.
فقد يحقق منشور آلاف المشاهدات، وقد تنتشر صورة تجمع انتخابي على نطاق واسع، وقد تتوالى التعليقات والإعجابات، لكن كل ذلك يبقى مؤشراً رقمياً لا يمكن اختزاله في نتيجة انتخابية.
وبحسب ملاحظات عدد من المتابعين للشأن المحلي فإن جزءاً من الخطاب الانتخابي بإقليم شيشاوة لا يزال يميل إلى إبراز حركة المرشحين وحجم الحشد والمرافقين، بينما تحضر البرامج والحلول بدرجات متفاوتة. وهو ما يفرض على الحملات سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل سياسياً: هل الهدف هو إقناع المواطن، أم فقط إقناعه بأن الحملة قوية؟
فالانتخابات ليست مسابقة في عدد السيارات، ولا منافسة في كثافة الصور، ولا بطولة في حجم التفاعل الإلكتروني.
الإعجاب ليس صوتاً. المشاهدة ليست ورقة اقتراع. والتفاعل الرقمي ليس شهادة انتخابية.
والأهم أن الناخب قد يتابع كل شيء… ثم يقرر شيئاً آخر تماماً.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حملة انتخابية هو الخلط بين ضجيج المنصات وصوت الناخب. فالفضاء الرقمي قد يمنح انطباعاً بالقوة، لكنه لا يستطيع وحده كشف المزاج الانتخابي الحقيقي، ولا معرفة ما يدور في ذهن الناخب داخل القرى والدواوير والمدن بالاقليم..
وفي اقليم شيشاوة وكما باقي عمالات واقاليم المملكة حيث تتعدد الملفات والانتظارات، لن يكون السؤال يوم الاقتراع: من كان الأكثر ظهوراً؟ ولا من نشر أكثر؟ ولا من جمع أكبر عدد من السيارات في صورة؟
فبعد أسابيع من الضجيج الانتخابي، سيأتي الصندوق ليضع الجميع أمام الحقيقة المجردة: الأرقام الرقمية تنتهي عند الشاشة، أما الأصوات فتبدأ من الصندوق.
وفي النهاية، لن يكون هناك “ترند” انتخابي ولا عدد إعجابات ولا ملايين المشاهدات… سيكون هناك فقط صوت الناخب، والنتيجة التي لا تجامل أحداً.

أضف تعليق