كرمات موظف بالمحكمة الإبتدائية بايمنتانوت يكتب :”الحماية الجنائية من فيروس كورنا المستجد في التشريع المغربي”

يشكل فيروس كورنا تحديا عالميا يتطلب من كل شخص سلوكا مسؤولا، وبإمكان الجميع كمواطنين أو شركات أو مؤسسات أو منظمات اتخاذ تدابير للحماية من الفيروس والتصدي له،وبالتالي فإن كل من يخالف أحكام الحجر الصحي الذي يمثل بوابة التعافي يكون قد ارتكب جريمة، ويستوجب إعمال القانون في حقه، لاسيما أن أرواح الأفراد هي محل تقديس وحماية،وأفرد المشرع لها حماية جنائية تصل إلى حد الإعدام، وذلك في حالة القتل العمد كمن يكتم بصمته بما يحمل من مرض معدن نتج عنه وفاة المخالطين له.

في خضم أزمة كورنا التي تعصف بالعالم برمته في الوقت الراهن ظهرت ثمة جوانب إيجابية فقد عززت من روح المسؤولية والتضامن بين السكان،وبات الجميع أكثر يقينا من قبل أن مدى التزام المواطنين بالإجراءات المتخذة من قبل الحكومات هو ما يضمن لها القدرة على السيطرة على انتشار الفيروس، ورغم اتخاذ الجهات المختصة إجراءات وقرارات صارمة في مواجهة الفيروس كإغلاق المساجد وأماكن التجمعات و ايقاف المدارس والعمل عن بعد، تسبب الاستهتار الذي أبداه بعض المواطنين الذين لم يلتزموا بالتدابير الوقائية المتخذة من الجهات المختصة إلى مسألة المشرع المغربي بخصوص استهتار هؤلاء؟ وكذا أي حماية جنائية وضعها المشرع  لمواجهة  فيروس كورنا ؟

وتقتضي الإجابة عن هذين السؤالين الجوهريين التطرق إلى التدابير الإجرائية لمواجهة  وباء كورنا (الفقرة الأولى)، ثم إلى الحديث عن التدابير الزجرية لمواجهة وباء كورنا(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:التدابير الإجرائية لمواجهة وباء كورنا

فيروس كورنا المستجد هو سلالة جديدة من فئة فيروس كورنا ، ويتسبب في مرض معد يصيب الجهاز التنفسي ويمكن أن يؤدي إلى مضاعفات وخيمة في بعض الحالات ، وقد تم تشخيصه في مدينة ووهان بالصين في أواخر دجنبر 2019، وحسب المعطيات المتوفرة لحد الان، ينتقل فيروس كورنا عند الاتصال الوثيق بشخص مصاب بهذا الفيروس، وفترة حضانة الجسم لفيروس كورنا تمتد من يومين إلى 14 يوما، ومن بين أعراض هذا المرض نجد حمى، وكذلك كحة بالإضافة إلى صعوبة في التنفس.

لحدود الساعة، لا يوجد علاج أو لقاح محددين لهذا المرض، عدا علاج للتخفيف من حدتها وتفادي المضاعفات، وينبغي إدخال الأشخاص المصابين به إلى المستشفيات وذلك قصد القيام بالعزل الصحي لهم، وتجدر الإشارة إلى أن العزل الصحي هو إجراء أكثر فصلا للأفراد الذين يعانون من مرض معدي والذي قد ينقلونه بسهولة للمحيطين والمخالطين له وخلال العزل يبقى هؤلاء الأفراد منفصلين عن الأخرين عادة داخل منشأة للرعاية الصحية ويكون لدى الشخص المعزول غرفة خاصة به، ويتخذ القائمون على الرعاية الصحية احتياطات معينة للتعامل معه مثل ارتداء ملابس واقية.

من جهة أخرى يعتبر الحجر الصحي إجراء يخضع له الأشخاص الذين تعرضوا لمرض معد وهذا إذا أصيبوا بالمرض أو لم يصابوا به، وفي الحجر الصحي يطلب من الأشخاص المعنيين البقاء في منازلهم أو أي مكان آخر لمنع المزيد من انتشار المرض للآخرين ولرصد آثار المرض عليهم وعلى صحتهم .

في إطار المجهودات الاستباقية التي تقوم بها الحكومة الرامية إلى مواجهة وباء فيروس كورنا المستجد كوفيد 19، أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة إنشاء لجنة اليقظة الاقتصادية لتتبع انعكاسات وباء فيروس كورنا المستجد كوفيد 19والإجراءات المواكبة، وذلك لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة للوباء على الاقتصاد الوطني، كما أصدر وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة منشورا بتاريخ  26 مارس 2020 ، يحث فيه القطاعات الوزارية والمؤسسات والمقاولات العمومية على اتخاذ ما يلزم من إجراءات لتسريع صرف مستحقات المقاولات وخاصة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وذلك لتخفيف الضغط على خزينتها وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها المالية.

وفي نفس الإطار وتنفيذا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك حفظه الله، تم إحداث صندوق خاص  لتدبير ومواجهة وباء فيروس كورنا، وذلك من أجل التكفل بالنفقات المتعلقة بتأهيل البنيات الصحة، والحد من آثار هذا الوباء على الاقتصاد الوطني، وكذلك إمداد المنظومة الصحية بكل الوسائل لضمان محاربة فيروس كورنا كوفيد 19 .

وتجدر الإشارة إلى أنه بناء على الاعتبارات الإنسانية التي مافتئ يؤكد عليها جلالة الملك، وحماية لصحة وسلامة المعتقلين، لاسيما في هذه الظروف الصعبة، وما تتطلبه من شروط الوقاية المؤسسات السجنية والإصلاحية من انتشار فيروس كورنا المستجد كوفيد 19 أصدر جلالة الملك أعزه الله، أوامره باتخاذ جميع التدبير اللازمة لتعزيز حماية نزلاء هذه المؤسسات خاصة من انتشار هذا الوباء، وفي  إطار العناية الموصولة التي يحيط بها جلالة الملك رعاياه المعتقلين بالمؤسسات السجنية والإصلاحية تفضل ملك البلاد بإصدار عفوه المولوي الكريم على 5654 معتقلا، وتم انتقاء المعتقلين المستفيدين من هذا العفو بناء على معايير إنسانية وموضوعية مضبوطة تأخذ بعين الاعتبار سنهم وهشاشة وضعيتهم الصحية ومدة اعتقالهم وما أبانوا عنه من حسن السيرة والسلوك والانضباط طيلة مدة اعتقالهم.

وفي هذا الإطار فإن المستفيدين من العفو الملكي الكريم سيخضعون للمراقبة والاختبارات الطبية ولعملية الحجر الصحي اللازمة في منازلهم للتأكد من سلامتهم.

من جهة أخرى قررت السلطة العمومية العمل بإجبارية وضع الكمامات الواقية بالمملكة ابتداء من يوم الثلاثاء  07ابريل  2020بالنسبة للأشخاص المسموح لهم بالتنقل خارج مقرات السكن في الحالات الاستثنائية المقرر سلفا، وأوضح بلاغ مشترك لوزارة الداخلية، والصحة، والاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، والصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي ، أن هذا القرار يأتي في إطار المجهودات المبذولة للحد من انتشار وباء فيروس كورنا المستجد (كوفيد 19) وتبعا للتعليمات السامية التي أعطاها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، من أجل اتخاد الإجراءات لازمة لتوفير الكمامات الواقية لعموم المواطنين بسعر مناسب، وكذلك بناء على المادة الثالثة للمرسوم بقانون رقم 2.20.293 .

والجدير بالذكر أنه في حالة عدم التزام الأفراد بالتدابير الرامية إلى الحد من تداعيات جائحة فيروس كورنا المستجد  كوفيد 19التي تفرضها عليهم الجهة المختصة وكسروا حاجز الوقاية والعلاج وخالطوا الناس بقصد أو غير قصد  وامتنعوا  عن أي إجراء طلب منهم لمنع تفشي العدوى يكونوا قد ارتكبوا جرما يجب عقابهم عليه.

الفقرة الثانية: التدبير الزجرية لمواجهة وباء كورنا

تزامنت الظاهرة الإجرامية في نشوئها مع نشوء أول مجتمع بشري على هذه البسيطة، وقد نمت هذه الظاهرة واتخذت أشكالا متعددة تبعا لتنامي وتطور المجتمعات البشرية التي ضاقت بتلك الظاهرة في ظل سيطرة مبدأ سيادة القانون على الدولة الحديثة، إذ إن من أهم مقتضيات هذا المبدأ تفعيل دور المشرع الجنائي في حماية الحقوق والحريات الفردية والمصالح العامة عند المساس بها، وذلك باعتبار أن هذه الحقوق والحريات والمصالح العامة تأخذ مكانا حاكما في التشريع الجنائي سواء أكان ذلك في مجموعة القانون الجنائي أم قانون المسطرة الجنائية المغربي.

ومن المعلوم أن الوسيلة التقليدية التي يتولى من خلالها المشرع الجنائي أداء وظيفته تلك تنبثق من خلال ما يعرف بسياسة التجريم والعقاب، التي تقوم على التوازن بين الحقوق والحريات الفردية من جهة والمصلحة العامة من جهة أخرى، وذلك بما يكفل تحقيق الحماية لكلا الجهتين بحيث لا يمكن السماح بالمساس بالحقوق والحريات الفردية  من خلال التجريم والعقاب إلا إذا اقتضى ذلك تحقيق هدف معين هو حماية المصلحة العامة أو حماية الحقوق والحريات التي من الممكن أن تكون عرضة للضرر أو الخطر، وتكون في نظر المشرع جديرة بالحماية بواسطة التجريم والعقاب.

وتضمن المرسوم المعلن لحالة الطوارئ الصحية رقم 2.20.293  الذي تم نشره بالجريد الرسمية بتاريخ 24  مارس 2020 مقتضيات زجرية لكل من خالف أوامر السلطة العامة ورفض الامتثال لها وذلك بعقوبة حبسية تتراوح مابين شهر وثلاثة أشهر وغرامة مالية تتراوح بين 300 درهم و   1300درهم ، دون الإخلال بالعقوبة الأشد المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي في الفصول من 300 إلى 302 .

ويشكل المرسوم المذكور أعلاه السند القانوني للسلطة العمومية لاتخاذ جميع التدبير اللازمة التي تقتضها هذه الحالة خلال الفترة المحدد لذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية أو بواسطة مناشير وبلاغات من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.

وأعلنت رئاسة النيابة العامة أنه في إطار تفعيلها للمقتضيات الزجرية التي جاء بها المرسوم المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عليها، فإن النيابات العامة بمحاكم المملكة تابعت ما مجموعه4835  شخصا قاموا بخرق حالة الطوارئ الصحية أي معدل 539 موقوفا يوميا، وأحيل على المحاكم 434   شخصا في حالة اعتقال وذلك خلال الفترة الممتدة بين 24   مارس إلى غاية الخميس 02 ابريل 2020 على الساعة الرابعة زولا.

وأصدرت محاكم المملكة في حق مجموعة من الأشخاص المتابعين، أحكاما قضت بالعقوبة الحبسية إلى جانب الغرامة المالية ، وتجدر الإشارة إلى أن أول حكم صدر في هذا الشأن ذلك الصادر عن المحكمة الابتدائية بامنتانوت وذلك بتاريخ 23 مارس  2020 حيث حكمت على المتهمين بشهر واحد حبسا نافذا على كل واحد منهما وغرامة مالية قدرها 1100  درهم وقد تم تقديم المتهمين في حالة اعتقال.

و تفاعلا مع ذلك أصدر رئيس النيابة العامة دورية عدد 13 دعا فيها جميع قضاة النيابة العامة بمحاكم المملكة، إلى التطبيق الصارم والحازم للمرسوم رقم 2.20.293   فيما يخص المقتضيات الراجعة إلى اختصاصهم.

ومن الأسئلة التي تطرح بالنسبة للباحث في المجال  القانوني سؤال مؤداه:

هل يمكن معاقبة الشخص الذي يخفي مرض وبائي  كورنا كوفيد 19  طبقا للقانون المغربي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال المركزي تقتضي منا الرجوع إلى مجموعة القانون الجنائي والقوانين المغربية الأخرى  والبحث عن الأساس  القانوني المؤطر لهذا النوع من الجرائم.

من خلال استقرائنا لهذه الفصول لا نجد فصلا واضحا يجرم هذا النوع من الأفعال والمتمثل في إخفاء المصاب لمرضه، لكن يمكن تطبيق مقتضيات الفصل 413 من مجموعة القانون الجنائي التي تنص على:

يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة وعشرين درهم إلى خمسمائة درهم ، من سبب لغيره مرضا أو عجزا عن الأشغال الشخصية ، بإعطائه عمدا وبأية وسيلة كانت بدون قصد القتل مواد تضر بالصحة .

فإذا نتج عن ذلك مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية تتجاوز مدته عشرين يوم فعقوبته الحبس من سنتين إلى خمس سنوات.

و يجوز علاوة على ذلك أن يحكم بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 و بالمنع من الإقامة، من خمس سنوات إلى عشر.

و في حالة ما إذا نتج عن المواد التي أعطيت مرض لا يرجى برؤه، أو فقد منفعة عضو أو عاهة دائمة، فعقوبته السجن من خمس إلى عشر سنوات.

أما إذا نتج عنها الموت، دون أن يقصد الجاني، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة.

تجدر الإشارة إلى أن هنالك قرار لوزير الصحة العمومية رقم 95 .683 الصادر بتاريخ 31 مارس 1995  بتحديد كيفية تطبيق المرسوم الملكي رقم 554 .65 بمثابة قانون   المتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء عليها، وقد نص في فصله الثاني على أنه يتعين وجوبا التصريح بالأمراض الجاري عليها الحجر الصحي وهي الطاعون الكوليرى، الحمى، الصفراء، الجدري … وكذا الأمراض غير المعروفة أسبابها والمجهولة والتي تكتسي صبغة وبائية وهو ما ينطبق حاليا على وباء كورنا كوفيد 19 .

بالرجوع إلى المرسوم الملكي رقم 554 .65 بمثابة قانون المتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض واتخاذ تدابير وقائية للقضاء عليها، الصادر في 26  يونيو 1967، خاصة في فصله 6 الذي ينص على (يعاقب عن المخالفات لمقتضيات هذا المرسوم الملكي والنصوص المتخذة لتطبيقه بالسجن لمدة تتراوح بين 6 أيام وشهرين وبغرامة يتراوح قدرها بين 40 درهم و 2400 درهم وبإحدى هاتين العقوبتين).

إلا أن الإشكال الذي يطرحه هذا المرسوم هو اقتصاره على الجهات التي ألزم عليها التصريح بهذه الأمراض في كل من أصحاب المهن الطبية وكذا أصحاب المهن الشبيهة بالطبية المأذون لهم قانونيا في مزاولة المهنة دون ذكر جهات أخرى وذلك ما نص عليه الفصل الأول من المرسوم الملكي المذكور.

كان حريا أن يتم التنصيص على إجبارية  التصريح بالمرض المعد من طرف كل من يعلم بوجود شخص مصاب به حتى نتفادى هذا الإشكال المطروح.

وانطلاقا من كل ما سبق، يمكن القول أن كل شخص مصاب بوباء كورنا كوفيد 19، يعلم أنه كذلك وقد تنتقل عدواه إلى الغير ولم  يقم  بإخبار  الجهات المختصة يكون قد ارتكب جريمة قائمة الأركان كجريمة شكلية ويترتب عن ذلك  مساءلته  جنائيا.

لقد استطاع المغرب دولة ومجتمعا باتخاذ تدابير استباقية واحترازية للتدخل في الوقت المناسب من أجل الوقاية من هذا الفيروس ومنع انتشاره وذلك من خلال مجموعة من التدابير الصارمة، وهذا يبين أن الدولة والمجتمع تعاملا مع هذا الوباء بكل جدية ومسؤولية لمحاصرته والخروج من هذه المحنة بأقل الخسائر،إننا أمام مسؤولية أخلاقية أساسية في ظل أزمة صحية عالمية يجب أن نتجاوزها بكل تداعياتها وانعكاساتها بدون استهتار وبكثير من المسؤولية والالتزام والانضباط .

وفي الختام يمكن القول أنه بالرغم من المجهودات التي تبدلها كافة مكونات الدولة للتطويق هذا الوباء والحد من انتشاره،فالجميع يتحمل المسؤولية في مكافحة فيروس كورنا وحماية الإنسانية من أخطاره، والالتزام بالتعاليم الصحية والتنظيمية التي تصدرها الجهات الرسمية المختصة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *